يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة عميقة من التحول، مدفوعة بالانتشار السريع للتكنولوجيات الرقمية وبالازدهار المتنامي للذكاء الاصطناعي. وتعيد رقمنة العمليات الإنتاجية وسلاسل القيمة وأساليب الإدارة رسم ملامح المنافسة، كما تُحدث تغييرات مستدامة في مصادر خلق القيمة. وفي هذا السياق، لم تعد التكنولوجيات المتقدمة مجرد أدوات لتحسين الأداء، بل أصبحت من المحددات الرئيسية للأداء التشغيلي للمؤسسات.
وفي بيئة دولية تتسم بتزايد حدة المنافسة، لا يمثل التحول الرقمي فرصة للحاق بالركب الاقتصادي فحسب، بل يشكل أيضًا رافعة أساسية للتميز بالنسبة إلى المؤسسات التونسية. ويتعين على هذه المؤسسات أن تضع مسألة الإدماج الرقمي في صدارة استراتيجياتها التنظيمية. غير أن نجاح هذا الانتقال سيظل مرتبطًا بقدرة المؤسسة على الاستيعاب التكنولوجي، أي بمدى قدرتها على تحديد المعارف والتكنولوجيات واستيعابها وتوظيفها.
ويحتل الذكاء الاصطناعي، في هذا الصدد، موقعًا محوريًا، إذ لا يقتصر دوره على أتمتة الإنتاج، بل يساهم أيضًا في توليد أفكار جديدة، ولا سيما من خلال إعادة تركيب الأفكار القائمة. ومن ثم، فإنه يساهم في تسريع عملية الابتكار من خلال تسهيل اختيار أفضل الأفكار. غير أن آثاره على الإنتاجية لم تتضح بشكل كامل بعد، نظرًا إلى أن التحولات التكنولوجية تستغرق وقتًا قبل أن تُفضي إلى نتائج قابلة للقياس.
ومن هذا المنظور، تبرز تساؤلات جوهرية تتمثل في الآتي: إلى أي مدى تحدد قدرة المؤسسات على إدماج التكنولوجيا والمعارف واستيعابها وتثمينها وتوظيفها مدى تحويل الاستثمار الرقمي، ولا سيما من خلال الذكاء الاصطناعي، إلى ابتكار وأداء فعليين؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات، تقدم هذه المذكرة، في مرحلة أولى، تحليلًا لقدرة المؤسسات التونسية على الاستيعاب، استنادًا إلى نتائج أول مسح حول اقتصاد المعرفة أنجزه المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية (ITCEQ)، تحت عنوان «المؤسسات التونسية في عصر التحول الرقمي». وفي مرحلة ثانية، تسعى إلى تحديد أنماط مختلفة من المؤسسات، تتميز بمسارات متباينة للتحول الرقمي.
ثم يتناول تحليل مقارن العلاقات بين هذه الأنماط، وإدماج الذكاء الاصطناعي، والثقافة التنظيمية، بهدف تقييم مدى مساهمة هذه العوامل مجتمعة في مسار متكامل للتحول التنظيمي والثقافي والرقمي. وفي الختام، تقترح هذه الدراسة مجموعة من الإجراءات المستهدفة لرفع العوائق التي تحول دون عملية الرقمنة، مع مراعاة خصوصيات كل نوع من المؤسسات.

