في ظل تزايد الأزمات متعددة الأبعاد وما ينجر عنها من تداعيات تتسم بطابع أكثر شمولًا ومنهجية، على غرار الركود الاقتصادي، وعدم الاستقرار الاجتماعي، والتغير المناخي، والتوترات الجيوسياسية، تتمكن بعض الاقتصادات من احتواء الآثار السلبية لهذه الأزمات والتعافي منها بسرعة دون تكبد خسائر تُذكر، في حين تستغرق اقتصادات أخرى وقتًا أطول للتعافي، وقد تتكبد أحيانًا خسائر لا يمكن تداركها، بما يعيق عودتها إلى وضعها الأصلي. وفي هذا السياق، أصبحت صمود الاقتصادات، الذي يُقصد به قدرتها على امتصاص الصدمات والتعافي منها والتكيف معها، رهانًا رئيسيًا لتوجيه العمل العمومي في بيئة غير مستقرة تتسم بتزايد حالة عدم اليقين الناجمة عن الصدمات.
ولم تكن تونس، باعتبارها اقتصادًا صغيرًا ومنفتحًا، بمنأى عن هذه الصدمات. بل إن الاقتصاد الوطني شهد، على مر الزمن، اختلالات أفضت أحيانًا إلى ضعف ملحوظ في الأداء، كانت له تداعيات كبيرة على المستويين الاجتماعي والسياسي. ومع ذلك، ترى عدة مؤسسات دولية أن تونس أظهرت قدرًا معينًا من القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات، رغم فترة طويلة من ضعف النمو امتدت لأكثر من عقد، حيث بلغ متوسط النمو 1.1% خلال الفترة 2010-2024.
إلى أي مدى يصح هذا التقييم؟ وكيف يمكن توصيف استجابة الاقتصاد التونسي للصدمات؟ وما محددات هذه القدرة على الصمود؟ وهل كانت تونس، مقارنة ببلدان أخرى، أكثر قدرة على الصمود؟
للإجابة عن هذه التساؤلات، يسعى هذا الـ«Policy Brief» إلى جرد الصدمات التي تعرض لها الاقتصاد التونسي، مع إبراز آثارها وقدرته على التكيف معها (1)، وتقديم الإطار المفاهيمي للصمود الاقتصادي من خلال مقاربة مزدوجة تقوم على القدرات والأبعاد (2)، وتحليل أبرز النتائج بالاعتماد على قراءة زمنية ومقارنة لمؤشر الصمود الاقتصادي المركب للاقتصاد التونسي (ISRE) (3)، واقتراح بعض إجراءات السياسة الاقتصادية الرامية إلى تعزيز قدرة الاقتصاد التونسي على الصمود (4).

