لقد أحدثت التكنولوجيات الرقمية تغييرًا جذريًا في طريقة عمل الاقتصادات المتقدمة. وقد أفرز هذا التحول أنظمة إنتاج جديدة تقوم بدرجة أكبر على الابتكار والكفاءات وأساليب التنظيم المرنة. وفي هذه المرحلة من التطور، أصبحت المعرفة أو العلم في صميم ديناميكية التحول الهيكلي للاقتصادات، باعتبارها تنتشر في مختلف الأنشطة، سواء على المستوى الجزئي أو الكلي، وتؤثر في ديناميكية نموها على المدى الطويل.
وإدراكًا منها لهذه التحديات، تضع تونس التحول الرقمي ضمن أولويات العمل التنموي، وهو ما تؤكده استراتيجية «تونس الرقمية 2025». ويتمثل الهدف النهائي لهذه الاستراتيجية في إرساء اقتصاد قائم على المعرفة والتكنولوجيا، وهي إحدى المواضيع التي تندرج ضمن برامج البحث بالمعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية (ITCEQ). وفي هذا الإطار، تم إنجاز العديد من الدراسات التي تناولت: (1) قياس مساهمة القطاعات ذات المحتوى المعرفي المرتفع في النمو والتشغيل والتجارة الخارجية، و(2) تقييم أثر الاستثمارات في المعرفة على أداء المؤسسات.
كما شملت هذه الأعمال تحليل مدى استيعاب الفاعلين الاقتصاديين للمعرفة، ودراسة توجهات تونس في مختلف مجالات اقتصاد المعرفة من خلال مجموعة من مؤشرات المقارنة الدولية.
ولهذا الغرض، تم استغلال عدة مصادر للبيانات بهدف قياس مدى انتشار المعرفة ومسار استيعابها داخل المؤسسات التونسية من جهة، ومتابعة ديناميكية اقتصاد المعرفة لدى مختلف الفاعلين الاقتصاديين من جهة أخرى.
وعلى الرغم من أن مصادر البيانات المستخدمة قد ساعدت في إجراء بعض التحليلات، فإنها تظل غير كافية، نظرًا لطبيعتها التي لا تتلاءم بشكل خاص مع احتياجات التحليل. إذ لا توفر الإحصائيات المتاحة على المستوى الوطني معلومات كافية حول مختلف ركائز اقتصاد المعرفة، ولا سيما تلك المتعلقة بالمستوى الجزئي.
ونظرًا إلى هذه النقائص، أصبح إطلاق مسح خاص باقتصاد المعرفة أمرًا ضروريًا.
ويعرض هذا التقرير نتائج أول مسح حول اقتصاد المعرفة، تحت عنوان «المؤسسات التونسية في عصر التحول الرقمي»، وقد أُنجز على عينة شملت 2734 مؤسسة تونسية.
ويحلل التقرير مسار التحول الرقمي داخل المؤسسات، مع التركيز على: (1) أهمية مشروع الرقمنة ضمن الاستراتيجية العامة للمؤسسة، (2) الوسائل المعتمدة لتسريع هذا التحول، (3) مدى إدماج التكنولوجيات الجديدة، (4) أثر الرقمنة على أداء المؤسسة، و(5) الصعوبات التي تواجهها المؤسسات المنخرطة في مسار الرقمنة وتلك التي تعتزم الانخراط فيه.
وفي الختام، يتضمن التقرير محورًا خاصًا بالمؤسسات العمومية، بهدف فهم ديناميكية التحول الرقمي داخل القطاع العمومي.

